الجصاص
178
أحكام القرآن
النصاب الكامل فيكون غنيا مع تمام ملك الصدقة ، ومعلوم أن الله تعالى إنما أمر بدفع الزكوات إلى الفقراء لينتفعوا بها ويتملكوها ، فلا يحصل له التمكين من الانتفاع إلا وهو غني ، فكره من أجل ذلك دفع نصاب كامل ، ومتى دفع إليه أقل من النصاب فإنه يملكه ويحصل له الانتفاع بها وهو فقير فلم يكرهه ، إذ القليل والكثير سواء في هذا الوجه إذا لم يصر غنيا ، فالنصاب عند وقوع التمليك والتمكين من الانتفاع . وأما قول أبي حنيفة : " وأن يغني بها انسان أحب إلي " فإنه لم يرد به الغنى الذي تجب عليه به الزكاة وإنما أراد أن يعطيه ما يستغنى به عن المسألة ويكف به وجهه ويتصرف به في ضرب من المعاش . واختلف فيمن أعطى زكاته رجلا ظاهره الفقر فأعطاه على ذلك ثم تبين أنه غني ، فقال أبو حنيفة ومحمد : " يجزيه ، وكذلك إن دفعها إلى ابنه أو إلى ذمي وهو لا يعلم ثم علم أنه يجزيه " . وقال أبو يوسف : " لا يجزيه " . وذهب أبو حنيفة في ذلك إلى ما روي في حديث معن بن يزيد أن أباه أخرج صدقة فدفعها إليه ليلا وهو لا يعرفه ، فلما أصبح وقف عليه فقال : ما إياك أردت ، واختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : " لك ما نويت يا يزيد " وقال لمعن : " لك ما أخذت " ، ولم يسأله أنويتها من الزكاة أو غيرها بل قال : " لك ما نويت " ، فدل على جوازها إن نواها زكاة . وأيضا فإن الصدقة على هؤلاء قد تكون صدقة صحيحة من وجه في غير حال الضرورة ، وهو أن يتصدق عليهم صدقة التطوع فأشبهت من هذا الوجه الصلاة إلى الكعبة إذا أداها باجتهاد صحيح ثم تبين أنه أخطأها كانت صلاته ماضية ، إذ كانت الصلاة إلى غير جهة الكعبة قد تكون صلاة صحيحة من غير ضرورة وهو المصلي تطوعا على الراحلة ، فكان إعطاء الزكاة باجتهاد مشبها لأداء الصلاة باجتهاد على النحو الذي ذكرنا . فإن قيل : إنما يشبه مسألة الزكاة من توضأ بماء يظنه طاهرا ثم علم أنه كان نجسا فلا تجزيه صلاته لأنه صار من اجتهاد إلى يقين ، كذلك مؤدي الزكاة إلى غني أو ابنه أو ذمي إذا علم فقد صار من اجتهاد إلى يقين ، فبطل حكم اجتهاده ووجبت عليه الإعادة . قيل له : ليس كذلك ، لأن الوضوء بالماء النجس لا يكون طهارة بحال فلم يكن للاجتهاد تأثير في جوازه وترك القبلة جائز في أحوال ، فمسألتنا بما ذكرناه أشبه . فإن قيل : الصلاة قد تجوز في الثوب النجس في حال ومع ذلك فلو أداها باجتهاد منه في طهارة الثوب ثم تبين النجاسة بطلت صلاته ووجبت عليه الإعادة ، ولم يكن جواز الصلاة في الثوب النجس بحال موجبا لجواز أداءها بالاجتهاد متى صار إلى يقين النجاسة . قيل له : أغفلت معنى اعتلالنا ، لأنا قلنا إن ترك القبلة جائز من غير ضرورة كجواز إعطاء هؤلاء من صدقة التطوع من غير ضرورة فكانا متساويين من هذا الوجه ، ألا